انطلق مؤتمر المناخ «كوب 30» في مدينة بيليم البرازيلية في الفترة من 10 إلى 21 نوفمبر 2025، كحدث عالمي حاسم لتقييم مسار مكافحة تغير المناخ وحشد الجهود الدولية لتحقيق أهداف اتفاق باريس. وفيما كان العالم يترقب نتائج هذا المؤتمر، دخل اليوم الأخير وسط أجواء متوترة وقابلة للانفجار، بسبب تعثر المفاوضات الأساسية المتعلقة بمستقبل الوقود التقليدي وتمويل التكيف المناخي.
خلفية المؤتمر وأهميته
انعقد المؤتمر بمشاركة أكثر من 190 دولة عضوًا في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، حيث يأتي في وقت يعده كثيرون محطة مفصلية في حركة العمل المناخي الدولي. وقد تركزت الأجندة على ملفات تحويل الطاقة بعيدًا عن الوقود الأحفوري، زيادة تمويل مشروعات التكيف مع تغير المناخ في الدول الأكثر تأثرًا، بالإضافة إلى قضايا العدالة المناخية وتحقيق توازن بين حماية البيئة وتلبية الاحتياجات التنموية.
منذ بداية المؤتمر، أثارت البرازيل، الدولة المضيفة، جدلاً واسعًا بسبب قراراتها المتعلقة بالتنقيب عن النفط قرب مناطق الأمازون الحساسة، ما تسبب في ازدواجية التصريحات بين التزامها بالبيئة ومحاولات دعم الاقتصاد الوطني البرازيلي بالسماح لمشاريع التنقيب عن النفط قرب الأمازون.
تفاصيل جلسة اليوم الأخير: صدام حول الوقود التقليدي
التوتر في اليوم الأخير كان نتاج خلافات متواصلة حول مستقبل الوقود التقليدي وخاصة الوقود الأحفوري، الذي يعد المصدر الأساسي لانبعاثات الكربون العالمية.
ظهرت مسودة اتفاق قدمتها رئاسة المؤتمر تخلو من أية خطة محددة أو جداول زمنية للحد من أو إنهاء استخدام الوقود الأحفوري، ما أثار احتجاجات واسعة من قبل نحو 80 دولة، بينها دول متقدمة كألمانيا والدنمارك، وأخرى نامية مثل كينيا ودول جزر صغيرة معرضة لخطر الارتفاع البحري.
أعربت هذه الدول عن رفضها توقيع المسودة ما لم تتضمن التزامًا واضحًا بتحويل الطاقة، معتبرة أن التغاضي عن هذه النقطة يشكل تهديدًا مباشرًا لأهداف اتفاق باريس ومكافحة الاحتباس الحراري مسودة اتفاق خالية من خطة لإلغاء الوقود الأحفوري ورفض توقيعها من قبل أكثر من 80 دولة.
الجدل حول خارطة الطريق للتحول الطاقي
في مؤتمر “كوب 28 ” السابق، تم اعتماد مبدأ العدالة في الانتقال إلى الطاقات المتجددة، والذي يتطلب جدولًا زمنيًا واحترامًا لحقوق الدول النامية، لكن في “كوب 30 ” بقيت التفاصيل العملية والالتزامات غير واضحة.
النقاشات شهدت محاولات متكررة من دول صناعية ونامية لتوحيد موقف يُلزم الدول بالبدء الفوري بوضع جداول زمنية واضحة لإنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري، لكن مقاومة بعض الدول المنتجة للطاقة التقليدية، التي ترى أن ذلك يمس بتنميتها الاقتصادية، جعلت الاتفاق صعباً.
بعض الدول الأفريقية طالبت باستغلال مواردها الغازية والنفطية كجزء من خططها التنموية، مع التأكيد على ضرورة توفير تمويل منفصل لمشاريع التكيف المناخي دون ربطها بملف الوقود الأحفوري، مما أضاف غموضًا على قدرة المؤتمر على اتخاذ قرارات حاسمة في هذا الملف الدول الأفريقية تطالب باستغلال احتياطياتها الغازية والنفطية مع تمويل التكيف المناخي.
تمويل التكيف المناخي: أزمة تمويل وعامل تعقيد
تُعتبر قضية التمويل من أبرز الملفات التي أثرت في مسار المفاوضات. طالبت دول الجنوب، خصوصًا الدول الإفريقية المعرضة آثار حادة من تغير المناخ، بمضاعفة الدعم المالي إلى ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030، بمبلغ يقدر بـ120 مليار دولار سنويًا، لتمويل مشاريع التكيف والحماية من الفيضانات، وتحسين أنظمة الزراعة، وبناء بنى تحتية مقاومة للكوارث.
العقبة الكبرى كانت الخلاف حول طبيعة هذا التمويل، فبينما تطالب الدول النامية بأن يكون التمويل منحًا خالصًا دون شروط مالية، تميل الدول المتقدمة إلى ربط التمويل بمعايير واضحة وآليات محاسبة، مع رفض إلغاء ربط التمويل بوقف أو تقليص استخراج الوقود الأحفوري في جميع الدول، ما خلق أزمة ثقة وعقّد القرارات النهائية خلاف على آليات التمويل بين منح وقروض وعدم الربط بوقف الوقود الأحفوري.
أجواء التوتر وانعكاسات الحريق
مع شدّة التوتر بين الوفود، وأثناء انعقاد الجلسات الحاسمة، وقع حريق في مقر انعقاد المؤتمر، ما تسبب في إخلاء مبنى القمة لساعات وتعليق مؤقت للمفاوضات. هذه الحادثة أضافت أبعادًا درامية للمؤتمر وزادت من الضغوط على الرئاسة البرازيلية لإنهاء القمة باتفاق مرضٍ للطرفين.
ما بعد “كوب 30” : آفاق وتحديات مستقبلية
حتى مع التوقعات بتمديد أعمال المؤتمر ساعات إضافية، يبدو من الصعب التوصل إلى اتفاق شامل بتغطية كل الملفات الشائكة. الرئاسة البرازيلية تسعى لإعلان اتفاق يحتوي على التزامات مبدئية لتحفيز الانتقال الطاقي وزيادة تمويل التكيف، لكن بدون جداول زمنية صارمة أو التزامات ملزمة لكل الدول.
هذا الوضع يجعل مؤتمر “كوب 30” محطة استمرار للنضال الدولي في مواجهة تغير المناخ، مع تأجيل المواجهة الشاملة لملف الوقود التقليدي إلى مؤتمرات لاحقة، ما يعكس التحديات السياسية والاقتصادية العميقة التي تواجهها جهود العمل المناخي عالميًا.
خاتمة
باختصار، انتهى مؤتمر المناخ ” كوب 30″ في بيليم بالبرازيل وسط خلافات جوهرية حول ملفات الوقود التقليدي وتمويل التكيف المناخي، مما أدى إلى تباين في المواقف وتمديد المفاوضات مع إحراز تقدم محدود. وعلى الرغم من ذلك، يمثل المؤتمر خطوة جديدة في المسيرة الدولية لمكافحة التغير المناخي، مسلطًا الضوء على التعقيدات الكبيرة التي تعترض تحقيق أهداف الحماية البيئية والتنمية الشاملة.
