تعيش القارة الأفريقية اليوم لحظة مفصلية في مسارها التنموي، حيث تواجه مدنها الكبرى اختباراً صعباً بين ضغوط التغير المناخي ومتطلبات النمو الاقتصادي السريع. في هذا السياق، برز “إعلان طنجة حول المدن المستدامة” كأحد أهم المبادرات التي تهدف إلى جعل التحضر الأفريقي نموذجاً عالمياً في العدالة البيئية والاستدامة.
رؤية أفريقية جديدة للمدن
يضع إعلان طنجة، الذي اعتمد في يوليو 2025، رؤية طموحة تقضي بتحويل المدن الأفريقية إلى فاعل رئيسي في مكافحة تغير المناخ، من خلال دمج الحياد الكربوني في قلب سياساتها الحضرية. ويأتي الإعلان تتويجاً لأشغال المنتدى الإقليمي للاقتصاد الأخضر المنظم تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس بمشاركة أكثر من 400 خبير ومسؤول من أنحاء القارة.
خمس عشرة أولوية للتحوّل الحضري
حدد الإعلان 15 أولوية لدفع المدن الأفريقية نحو التحول الأخضر، من أبرزها:
- دمج هدف الحياد الكربوني في خطط التنمية الحضرية المحلية.
- تسريع الاستثمارات في الطاقة المتجددة والنقل النظيف والمباني الخضراء.
- دعم الحلول الطبيعية في التخطيط الحضري لمعالجة آثار المناخ.
- ابتكار أدوات تمويل مناخية جديدة، منها السندات الخضراء والشراكات القطاعية.
- وضع آليات شفافة للتقييم والمساءلة البيئية السنوية.
طنجة… جسر بين الشمال والجنوب
تهدف المبادرة إلى جعل طنجة، وعموم جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، مختبراً حياً للتحول المناخي العادل، بفضل موقعها الجغرافي الذي يجسّد الصلة بين أفريقيا وأوروبا. وتمثل الشراكة بين الجهة والمنظمة العالمية للاقتصاد الأخضر نموذجاً لالتقاء الخبرة العالمية بالإرادة المحلية لبناء مدن خالية من الكربون.
من المبادئ إلى الفعل
يتجاوز إعلان طنجة الطابع النظري ليشكل خارطة طريق تنفيذية، إذ تم اختيار إحدى عشرة مدينة أفريقية لتكون منصات تجريبية لمشروعات خضراء قابلة للتمويل تشمل الطاقة والمياه والنفايات والإسكان. كما تم الاتفاق على إنشاء منصة رقمية لتعزيز التعاون وتبادل البيانات المناخية بين المدن.
نحو مستقبل أخضر عادل
إنّ «إعلان طنجة» ليس مجرّد وثيقة دبلوماسية، بل نداء قاري للتحرك الجماعي نحو مدن أكثر توازناً وإنصافاً. إنه إعلان إرادة سياسية واقتصادية وثقافية، يجعل من القارة الأفريقية فضاءً للتجديد الأخضر والمواطنة البيئية، ويمنح مدنها فرصة لتكون قوة فاعلة في معركة المناخ العالمية.
