بقلم : دلال فريح
هل يمكن للمبنى الذي نسكنه أو ندرس فيه أن يحدد مستوى سعادتنا؟ سؤال لم يعد افتراضياً، في الدراسات الحديثة تؤكد أن الهندسة المعمارية ليست مجرد إسمنت وحديد، بل منظومة نفسية خفية تؤثر مباشرة في كيمياء الدماغ وسلوك الإنسان. الإضاءة، واتساع المساحات، وملمس الجدران، وحتى اختيار الألوان، جميعها عناصر قادرة على تهدئة الجهاز العصبي أو إثارة القلق دون أن نشعر.
الألوان، على سبيل المثال، ليست خياراً جمالياً فقط؛ فالأزرق والأخضر يرتبطان بخفض مستويات التوتر وتحفيز الشعور بالطمأنينة، بينما قد تزيد الألوان الصارخة والمغلقة من الإحساس بالضغط والاختناق. أما النوافذ والمساحات المفتوحة، فتلعب دوراً حاسماً في تعزيز الإحساس بالسيطرة والحرية، وهو عنصر أساسي في الصحة النفسية.
من الفصول الدراسية إلى أروقة المستشفيات، أصبح “التصميم البيئي” جزءاً لا يتجزأ من العلاج النفسي والتحصيل العلمي. فقد أثبتت الأبحاث أن الطلاب في بيئات تعليمية مصممة بعناية يظهرون تركيزاً أعلى، وقلقاً أقل، وقدرة أفضل على التعلّم. وفي المستشفيات، تقل مدة الشفاء وتخف حدة الاكتئاب عندما تحيط بالمريض مساحات مضاءة طبيعياً، وألوان مريحة، وعناصر تحاكي الطبيعة.
1.المدرسة: حين تصبح الألوان معلماً ثانياً:

بالنسبة للتلاميذ، لم يعد الفصل الدراسي مجرد أربعة جدران. أثبتت الأبحاث أن التصاميم التي تعتمد على:
- الإضاءة الطبيعية: تزيد من إفراز هرمون “السيروتونين” المسؤول عن السعادة، مما يرفع من مستوى التركيز بنسبة تصل إلى 20%.
- الألوان الهادئة: استبدال الألوان الباردة والمملة بألوان مستوحاة من الطبيعة يقلل من حدة التوتر والتنمر بين الطلاب.
- المساحات المفتوحة: خلق زوايا للراحة داخل المدارس يمنح التلميذ شعوراً بالأمان والحرية، مما يحول المدرسة من “سجن اختياري” إلى بيئة محفزة للإبداع.
2. المستشفيات: “التصميم الشافي”

في المستشفيات، لم يعد التصميم رفاهية، بل هو “دواء صامت”. في السابق، كانت الممرات البيضاء الباردة تزيد من قلق المرضى، أما اليوم فيعتمد “التصميم الشافي” على:
- إطلالة على الطبيعة: المرضى الذين تطل غرفهم على مساحات خضراء يتماثلون للشفاء أسرع بنسبة 30% من غيرهم.
- تقليل الضوضاء: استخدام مواد عازلة للصوت يقلل من نوبات القلق واضطرابات النوم لدى المرضى.
- الخصوصية والتحكم: منح المريض القدرة على التحكم في إضاءة غرفته ودرجة حرارتها يقلل من شعوره بالعجز والارتهان للمرض
3. الأحياء السكنية: هندسة السعادة الاجتماعية

على مستوى الأحياء، يساهم التصميم الحضري في الحد من “اكتئاب المدن” من خلال:
- الفضاءات المشتركة: تصميم ساحات للمشي والجلوس تعزز الروابط الاجتماعية وتكسر حدة العزلة، وهي المسبب الأول للاكتئاب في المناطق الحضرية.
- تنسيق المشهد : وجود الأشجار والنافورات في الأحياء السكنية يقلل من مستويات “الكورتيزول” (هرمون الإجهاد) لدى الساكنة.
- الأمان البصري: الإضاءة الجيدة والتصاميم التي تسمح بالرؤية الواضحة تمنح الساكنة شعوراً بالاطمئنان النفسي وتنقص من معدلات الجريمة.
حياة مستدامة
يقول خبراء التصميم البيئي: “نحن نشكّل أبنيتنا، ثم بعد ذلك تقوم أبنيتنا بتشكيلنا”. إن الاستثمار في تصميم “إنساني” ليس هدراً للمال، بل هو استثمار طويل الأمد في تقليص ميزانية الرعاية الصحية ورفع إنتاجية المجتمع، فإن تحسين جودة الصحة النفسية عبر التصميم يتطلب وعياً من المهندسين وصناع القرار. فالمسألة لم تعد تتعلق بالجماليات فقط، بل بحق الإنسان في العيش ببيئة لا ترهق روحه، بل تمنحه الأمل والراحة، وأيضا يرى العلماء اليوم أن التعرض للمساحات الخضراء لا يقل أهمية عن تناول الفيتامينات الأساسية لصحة الجسد.
هكذا تتحول الجدران من حدود صامتة إلى شركاء في تشكيل المزاج، وتصبح العمارة لغة غير منطوقة تخاطب الدماغ والعاطفة معاً. فالمكان الذي نعيش فيه لا يحتوي حياتنا فقط، بل يشارك فعلياً في تشكيل شعورنا بها.
