تعود حرائق الغابات إلى واجهة المشهد البيئي كل صيف في دول حوض البحر الأبيض المتوسط، من إسبانيا وفرنسا إلى الجزائر وتونس واليونان وتركيا. ومع ارتفاع درجات الحرارة واتساع موجات الجفاف، باتت هذه الحرائق أكثر تكرارًا وحدّة، لتكشف عن أزمة بيئية معقدة تتداخل فيها العوامل المناخية مع التدخل البشري وسوء إدارة الأراضي.
تتميز منطقة المتوسط بخصوصية مناخية تجعلها من أكثر المناطق هشاشة أمام الحرائق، إذ ترتفع الحرارة فيها أسرع من المتوسط العالمي، فيما تزداد فترات الجفاف ويشتد هبوب الرياح الحارة والجافة التي تسرّع انتشار اللهب. كما أن غطاءها النباتي، خصوصًا في الصيف، يتحول إلى مادة شديدة الاشتعال بعد أسابيع من نقص الأمطار وارتفاع الحرارة.
أسباب الحرائق
لا يمكن ردّ حرائق الغابات في المتوسط إلى سبب واحد فقط. فالتغير المناخي يرفع احتمالات اندلاعها عبر زيادة الحرارة وتفاقم الجفاف، لكنه لا يعمل وحده؛ إذ تشير تقارير إلى أن جزءًا كبيرًا من الحرائق يرتبط بعوامل بشرية مثل الإهمال، وإشعال النيران عن قصد، وحرق المخلفات، والزحف العمراني الذي يترك خلفه مواد قابلة للاشتعال.
كما تسهم أنماط استخدام الأراضي غير المنضبطة في زيادة الخطر، سواء عبر التوسع العمراني قرب الأحراج أو تراكم النفايات في المناطق الطبيعية. وفي بعض الحالات، تؤدي الشرارة الأولى — مهما كانت صغيرة — إلى حريق واسع حين تتزامن مع حرارة مرتفعة ورياح قوية ونباتات جافة.
أضرار بيئية واسعة
تتجاوز آثار حرائق الغابات مجرد احتراق الأشجار، فهي تضرب النظام البيئي بأكمله. فالنيران تدمر الموائل الطبيعية للكائنات البرية، وتدفع كثيرًا من الأنواع إلى فقدان مأواها أو غذائها، ما يهدد التنوع البيولوجي ويزيد من خطر الانقراض المحلي لبعض الأنواع النباتية والحيوانية.
وتؤدي الحرائق أيضًا إلى تدهور التربة وفقدان خصوبتها، إذ تصبح أكثر عرضة للانجراف بعد انكشافها واحتراق الغطاء النباتي الذي كان يحميها. ومع تكرار الحرائق، تتراجع قدرة الغابات على التجدد الطبيعي، وتضعف خدماتها البيئية مثل امتصاص الكربون وتنظيم المناخ المحلي والحفاظ على المياه.

أثر يتجاوز الغابة
لا تقف الخسائر عند حدود البيئة فقط، بل تمتد إلى الزراعة والسياحة والاقتصاد المحلي. فاحتراق الغابات المحيطة بالمناطق الزراعية قد يضر بالمحاصيل والثروة الحيوانية، بينما ينعكس الدخان والرماد سلبًا على جودة الهواء وصحة السكان، كما تتضرر الوجهات السياحية التي تعتمد على الطبيعة الساحلية والغابية.
ومع استمرار ارتفاع الحرارة وتفاقم الجفاف، تبدو حرائق المتوسط جزءًا من تحول بيئي أوسع يفرض على الحكومات خططًا أكثر صرامة للوقاية، وإدارة الغابات، والحد من الانبعاثات، وتوعية السكان بطرق التعامل مع مواسم الحر الشديدة. فالمعركة هنا لم تعد مع النار وحدها، بل مع الظروف التي تجعل اشتعالها وانتشارها أسهل من أي وقت مضى.
